الصفحات

الاثنين، 15 يونيو 2015

ليلة مغترب



ليلة مغترب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل.. بينما كنت أقود سيارتي.. فاتحاً النافذة لأتنسم هواء عليلاً في ليلة رمضانية هادئة من ليالي مدينة ليدز البريطانية..
سلكت الطريق المؤدي إلى كنيسة المدينة..
كانت الدكاكين مغلقة.. والشوارع خلت من الحياة إلا من بضعة أجساد أثقلها السكر.. فتوسَّدَت جنبات الطريق..
اقتربت من المكان الذي أريد.. واضطررت إلى ركن سيارتي في إحدى الأزقة البعيدة..
ثم ارتجلت منها ماشياً بين البيوت..
فكان أكثر ما يثيرالانتباه.. مشهد الظلام وهو يدهم نوافذ البيوت.. نافذة تلو نافذة.. ليسلب منها الحياة ..ويغرقها في السكون ..
توقفت بي قدماي عند مدخل الكنيسة.. فتحت الباب ..فشع نور الحياة من داخل المسجد الكبير ( القراند موسك ) الذي كان كنيسة يوماً ما..
صوت سرى نبضه في أوداجي ليبعث الروح في جسد كاد يهلكه الجفاء..
إنه صوت الإمام في صلاة الليل وهو يترنم بكلام نور السموات والأرض ..
ما الذي أراه أمامي ؟ مئات المصلين ومن جميع الأجناس هجروا الدعة والسكون لينصتوا إلى كلام ربهم في خشوع وخضوع .. وبعضهم يجود بالدموع .. سجداً ركعاً { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}16 السجدة.
دخلت معهم في صلاتهم.. أصغيت في هدوء إلى فاتحة الكتاب.. وكأنها ليست الفاتحة التي اعتدت سماعها..
يا لها من آيات عظيمة أنزلها الله رحمة بنا .. فكانت هي الشافية الكافية وأم الكتاب..
حمدٌ ثم ثناءٌ ثم تمجيدٌ ثم توحيدٌ ثم دعاءٌ ثم .. آميـــــــــــــن .. رفعت بها صوتي مع المصلين لعل الله يرحمني برحمته لهم..
ثم شرع الإمام البدء في رحلة إيمانية ..حمل فيها قلوبنا معه بدون استئذان ,, متنقلاً بين عجائب القرآن..
يحلق بنا مرة في سماء رحمته..
 ومرة يغوص بنا في أعماق حكمته ..
ويتوقف بنا أحيانا على قمم عظمته وقدرته ..
صدق من قال أن ( القلوب الطاهرة لا تشبع من كلام الله )..
تكاد مشاعر الهيبة تخلع قلبك وتعقد لسانك عندما تستشعر أن هذه الآيات.. هي حروف وكلمات نطق بها خالقك بها يوماً ما..

كم هي النداءات القرآنية التي أرسلها الخالق الى البشر {يا أيها الناس}{يا أيها الذين آمنوا}{يا أيها الإنسان}{يا أيها الكافرون}.
يغمرك الشعور بالراحة والأمان عندما تستمع إلى تلك النداءات.. فما أرحمه من خالق وما أعظمه من رب ينادي عباده بلغتهم وهو غني عنهم..لعلهم يهتدون ..
 لكن كلمة واحدة كلما سمعتها ازددت أماناً وطمأنينة..
 إنها كلمة {يا عبادي}
 يا لله.. ما أعظمه من شرف أن تُنسَب إلى الله .. فأنا عبدالله وبكل فخر ..
نعم أنا عبد.. ولي رب يؤويني ويحميني.. يؤنسني في غربتي ..يسليني ..
 وإذا مرضت فهو يشفيني.. وإذا سألت فهو يعطيني.. وإذا ضاقت بي الدنيا يواسيني..
(يا عبادي) كلمة ملئت عطفاً ولطفاً ورحمة ..
فمن يجرؤ علي وأنا عبد لله؟
 وماذا يضيرني لو أحجم عني كل الناس.. وتنكر لي أقرب الناس .. ما دام قد قبل بي ربي عبداُ؟
أتظن الله مضيع عبده ؟{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ الزمر 36
ومما زادني شرفــــــــاً وتيها           وكدت بأخمصي أطأ الثريـا
دخولي تحت قولك يا عبـادي           وأن صيّرت أحمد لي نبيـــاً

وبرغم تلك المعاني الإيمانية التي تغشى الإنسان عندما يقف منصتاً إلى كلام الله.. إلا أنّ شعوراً بالأسف والحزن بدأ يتسلل إلى نفسي لم أستطع إيقافه !!
أتدري على ماذا ؟
إنه الأسف على معظم الحاضرين الذين يقفون خلف الإمام وهم لم يفقهوا شيئاً مما قال!!
 منعهم من ذلك أنهم لم يولدوا عرباً في بلاد عربية.. فتسمعهم في دعاء القنوت يؤمّنون في موضع التسبيح ويسبّحون في موضع الدعاء!
ألا يحق لي أن أشعر بالأسى لهم.. وهم قد حرموا من تذوق حلاوة القرآن التي أجدها عندما أفهم كلام ربي مباشرة بلا ترجمان..
ما أعظم نعمة الله علينا نحن العرب عندما اصطفانا.. فتكلم بكلامنا وأرسل للبشرية رسولاً يتكلم بلساننا..
إن هؤلاء المسلمين من غير العرب يُشعرونك بقيمة اللغة التي تحملها.. فتجدهم يتفاخرون بيننا بأنهم يعرفون بعض الكلمات العربية.. ويقدّموك للإمامة في مساجدهم.. ويتسابقون إلى الصلاة خلفك.. لأنهم يريدون سماع القرآن غضاً طرياً لا تشوهه اللكنات الأعجمية..
إنك لتعجب من شدة حرصهم على تعلّم وتعليم أبناءهم اللغة العربية.. وربما يقضي بعضهم معظم عمره  في تعلمها.. وربما حفظوا القرآن والسنة النبوية.. إلا أنهم رغم كل ذلك لم يستطيعوا التخلص من لكنتهم الأعجمية..
نعم إنك تأسى لحالهم ولكن!
ولكن ماذا ؟
ولكن يزداد أساك وألمك عندما ترى مقابل هذا إدباراً من بعض العرب عن لغتهم العربية.
نعم.. إنك لتشعر بالحزن على بعض أطفال العرب المقيمين في الغرب وهم يتحدثون معك بلغة عربية مكسرة..
إن الاندفاع غير المنطقي جعل بعض الآباء العرب هناك يحرصون على تعليم أبناءهم اللغة الإنجليزية فقط دون العربية..

إن ذلك الأب في الحقيقة يجني على ابنه.. ويفوت عليه فرصة عظيمة.. فإن الطفل كلما كبر كلما صعب عليه إزالة العجمة من لسانه..
فهل يا ترى سيستمتع ذلك الطفل بروايات شكسبير وقصائد العجم وتاريخهم أكثر من تلذذه بالقصص القرآني والحكم النبوية وتاريخ أمّته؟
يخطئ البعض عندما يظن أن اللغة مجرد كلام ..
إن اللغة هي ( وعاء الثقافة ) ..
وإن التمكن من لغة أخرى هو في الحقيقة فتح لنافذة ثقافة أخرى ..
يبرر بعض الآباء سبب حرصهم على تعليم أبناءهم اللغة الإنجليزية بأنه كي تزداد فرص نجاحهم العلمي والعملي..
وهذا قد يكون صحيحاً إلى حد كبير.. وكم هو الجميل أن نطلع على لغات الشعوب الأخرى ونستفيد من تجاربهم .. ونحن نعترف بأننا بحاجة إلى تعلم اللغة الإنجليزية التي هي لغة العلم في العصر الحديث..
ولكن علينا أن نعلم أن شيئاً يسيراً من اللغة الأجنبية سيكون كافياً لكي تصل إلى مراحل علمية وعملية متقدمة..
أما الوصول إلى مراد الله والتلذذ بكلام الله لن تستطيع الوصول إليه ما لم يتشرب عقلك وقلبك معاني وأسرار وبلاغة اللغة التي تكلم بها سبحانه..
لذا نجد العلماء اشترطوا في المفتي أن يكون عالماً باللغة العربية..
أيها العربي.. يكفيك فخراً ان لغتك العربية هي لغة القرآن.. ولغة نبي الإسلام.. وأن كل مسلم على وجه الأرض لا تقبل صلاته مالم يقرأ فيها سورة الفاتحة بلغتك  العربية..
أيها الآباء الكرام.. إذا أردنا إخراج جيل نفتخر به ونعتز به ينبغي لنا أن نغرس فيه معاني العزة بنفسه ووطنه ولغته ودينه وثقافته.. وإلا سيخرج لنا جيلٌ مهزوز تابع مقلد..
ولو كانت هذه القضية حاضرة في الأذهان.. لما وجدنا من العائلات العربية من يستخدم اللغة الإنجليزية كلغة تفاهم بين أفرادها حتى وهم في بلدهم العربي.. ولما وجدنا من يتسابق على إلحاق ابنه بمدارس أعجمية داخل محيط بلده العربي.. ولا من يلغي أو يقلص دعم واعتماد المدارس الوطنية خارج حدود الوطن.. ولا غيرها من القرارات التي تخدش الانتماء والهوية والوطنية..
أيها الأب المبتعث الكريم ..
أرسلها كلمات تغرس بها معاني العزة في قلب ابنك:
"يا بني .. حتى ولو فصح لسانك بكل لغات العالمين ..
فيكفيك فخراً وشرفاً.. أنك تردد وتفهم.. وتتغنى وتترنم.. بكلام رب العالمين "
أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام..
وأن يجعلنا من أهل القرآن..
وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وآناء النهار على الوجه الذي يرضيه عنا..
وإلى لقاء آخر في ليلة أخرى ,,

أمين بن بخيت الزهراني
رمضان 1432 هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق